من مآثر الصبا وحلوِ الزكريات
قد يفيق المرء من نشوته ولو شرب حتى النخاع أو حد الثُمالة ، لكن نشوى غرامها وحنينها ليس له آخر ، هكذا تعلمنا منها معانى العشق والحب الذى لايرحل ولايغيب فأصبحنا لا نعرف غيرها عزاءًً ولا سلوى . سماؤها صافية وأرضها ضاحية , هواؤها رقراق عليل , تفكّهنا بثمارها وتفّيأنا بظلالها ، فأصبح لنا فى كل ركنٍ منها حكاياتٌ وذكرى ، ورجالها كُرماء وأهلها حُكماء , الذى يدخلها لايخرج منها إلا وهو مُحمَّل بالهدايا من مراكيب وعطور وذبائح وغيرها. نساؤها الطيبات الغانيات تبدو عليهن مظاهر الطُهر والعفاف ، ليلها يسوده الهدؤ والسكون غير صفير تلك اللوارى و البصات التى تملأ الأفق صخباً ، مدوزنةً بتراتيل الوداع ولهيف اللقاء ، الكلام عنها موشى بالحجى والتراث والأمثال الشعبية البسيطة ذات المدلول الكبير مثل اب صلمبويتى ولا كدكاى زول.أشجار المانجو والذرة تمتد فيها وتتطاول لتوارى الناس سوءة الفقر تعلمنا منها سحر البيان وحزم الزمان ، ذلك السحر الذى يبعث في النفس روح الإبداع والتفرد فى شخص إنسانها الرقيق المسالم ، ونسيجها الإجتماعى المتماسك الذى يمثل كافة قبائل السودان بسحناتهم المختلفة ولهجاتهم المتداخلة من نوبة وعرب ، بجة وحلب ، زرقة وزنوج ، إنها مدينة الجنينة ، دار أندوكة ، ثغر السودان الباسم وميناءه البرّى من جهة الغرب ، تنام على حضن وادى كجا كعروس فى ليلة زفافها الأول ، متوَّجة بمناظرها الخلابة وطبيعتهاالجذَّابة ، يحرسها جبل السلطان بحر الدين بقصره المنيف ، شامخاً كشموخ أهلها ، تلك المدينة التى زُرعت فى قلبى كالشمس وأنا طفلاً ونقشت فىّ تمثالاً من الشعور بالفخروروح الإنتماء لأرضها الحلوب الخصوب ، ومن أجمل ما علمني إياه والدي ( متعه الله بالصحة ودوام العافية ) أن لا أمد يدى لأحد ، وكان ينفق علىّ الجنيهات غير عابٍ بشئ ، يشترى لى كل جميلٍ تقع عليه عينى وأمى كانت ولا تزال تخاف علىّ حتى من النسمة الخجلى ، فهداياها دائماً تناسب جميع أهوائى و أذواقى والتى ريثما كنت أباهى بها بين أقرانى حينما كنا ندعو لبعض المناسبات أو ختان أحد الأتراب ، فكثيراً ما كنت ألاقى بسببها موجاً من القرص والضرب حقداً من بعض الذين يكبرونى سناً ،وتلك قصة أخرى ، هي قصة دراستي في خلوة جدي لوالدي إبراهيم ( عليه رحمة الله ) تلك المرحلة وسياط العنج وتدابير ( الشرافة ) أحاديث يتداولها الأنداد ، أما طائرات الورق ومطاردة الزنابير (أبودنّان ) كثيرا ما تجعلنى خارج المنزل ، فحينما يهلُّ الهلال وتقمّر الليال كنا نأخذ أدراجنا إلى ساحة الحى لنشهد شتى صنوف اللعب ، مثل : شليل وينو أكلو الدودو، وشليل وين راح أكلو التمساح ، وتيلم تيلم ، والفات الفات ، وكديس من نطّاك ، واللانقا وغيرها ونسمع حكايات البعّاتى والأم بردوبردو التى تملأ النفس ُرعباً ورهباً ، ومن الأشياء التي أذكرها للتاريخلم أنسى يوماً حينما همّ فيه الوالد بضربى بسبب ذهابى إلى دانكوروفبينما كنت أصرخ وأحاول الإنفلات من يده قدُمت إلىّ والدتي كالطوفان وأنا منغمساً فى نهرٍمن البكاء ، وأخذت تضمنى إليها بشدة وتدُس فى جيبى شئٌ من الحلوى و الفول المدمس وأسمعها فى التو تستأذن والدى فى أن تصحبنى معها إلى حيث تريد الذهاب،ًوقتها كم كدت أن أضحك وأنا باكياً ،كانت والدتي ( ولا تزال ) مشهورة بحبها للتاريخ والفكاهة والتراب ، بدأت لى بكل ما هوطريف حتى ساقها الحديث فى أن تصف لى كل من ملاحم ( كرندنق و دروتىودرجيل ودروتى هذى لا يعرفها الكثيرون من أبناء هذا الجيل فهى لا تبعد كثيرا عن مدينة الجنينة إستشهد فيها السلطان تاج الدين فى أوائل العقد الأول من القرن الماضى ضد الفرنسيين الغزاة ، والتى صاغها شاعرها الفذ محمد مفتاح الفيتورى فى لحنٍ بطولى ( مقتل السلطان تاج الدين ) فى ديوانه أغانى إفريقيا ، ثم أخذت تحدثنى عن الملك الذى إشتهر بالعدل والحكمة والمحبة بين الناس ، وقتها كنت كأننى أعيش بين تلك العصور، ركب الطيارة ودلة فى دار النصارى وفي صبيحة اليوم التالي أخذت جدتى تعُد لنا الشاى وتفتح قُفالتها المحكمة من صندوقه الخشبى لتخرج لنا شيئا من الفطير و( العجينة الزرقاء ) وشلوٍ من الدجاج ( المكرفس ) مسترسلةً (فك الريق أخيرمن راس رقيق ) هكذا كان أبناء السلاطين يضربون المثلحلة الفكى جمالى، وحلة مرفأ ، وحلة جلابة ، وحلة عصارة ، وحلة فلاتة وحارة الشيخ إبراهيم عثمان البرقاوي تظل بتلك الملامح وإن أخذت أسماء غيرها ، وسوق البروش وسوق الرملة والعرضيباى وسوق أم دفسو وسوق أنجمينا التى جسدت فينا






















